لسان الدين ابن الخطيب
20
الإحاطة في أخبار غرناطة
واستدعي من باب قشتالة الأمير محمد أبو زيّان ابن الأمير أبي زيد بن عبد الرحمن ابن السلطان المعظّم أبي الحسن . وقد استقرّ نازعا إليه أيام عمّه السلطان أبي سالم ، وقع عليه اختيار هذا الوزير الغادر ، إذ وافق شنّ تغلّبه طبق ضعفه « 1 » ، وأعمل الحيلة في استجلابه ، فوصل حسب غرضه ، وأجريت الأمور باسمه ، وأعيد أخوه المعتوه إلى مكانه ، واستمرّت أيام هذا الأمير مغلوبا عليه ، مغرى بالشراب على فيه وبين الصّحب إلى أن ساءت حاله ، وامتلأت بالموجدة على الوزير نفسه ، فعاجله بحتفه ، وباشر اغتياله ، وأوعز إلى خدامه بخنقه ، وطرحه بحاله في بعض سواقي قصره ، متبعا ببعض أواني خمره ، يوهم بذلك قاتله ، تردّيه سكرا ، وهويه طفوحا . ووقف عليه بالعدول عند استخراجه ، وندب النّاس إلى مواراته ، وبايع يومه ذلك أبا فارس عبد العزيز وارث ملك أبيه السلطان أبي الحسن ، المنفرد به ، وخاطب الجهات بدعوته ، وهو صبيّ ظاهر النبل والإدراك ، مشهور الصّون ، وأعمل الحيلة لأول أمره ، على هذا الوزير مخيف أريكة ملكه ، ومظنّة البدا في أمره ، فطوّقه الحمام واستأصل ما زراه من مال وذخيرة ، شكر اللّه على الدولة صنيعة ، وفي ذلك يقول : [ الطويل ] لقد كان كالحجاج في فتكاته * تحاذره البرّاء دوما وتخشاه تغدّى به عبد العزيز مبادرا * وعاجله من قبل أن يتعشّاه وكان بعده وليّه الحق ونصيره لا إله إلّا هو . وهو اليوم ملك المغرب ، مزاحما بابن أخيه ، السلطان أبي سالم ، المعقود البيعة بمرّاكش وما إليها ، جمع اللّه شتات الإسلام ، ورفع عن البلاد والعباد مضرّة الفتنة . وبتلمسان السلطان أبو حمو موسى ابن الأمير أبي يعقوب يوسف « 2 » بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيّان . حسبما كان في الدولة الأولى ، متفقها منه على خلال الكرم والحزم ، مضطلعا بأمره والقيام على ما بيده . وبتونس « 3 » ، الأمير أبو سالم إبراهيم ابن الأمير أبي يحيى بن أبي حفص ، حسبما تقدم ذكره .
--> ( 1 ) أخذه من المثل : « وافق شنّ طبقة » . وشنّ هو رجل من دهاة العرب ، وطبقة بنته ، يضرب للمتوافقين . مجمع الأمثال ( ج 2 ص 359 ) . ( 2 ) في اللمحة البدرية ( ص 119 ) : « يوسف بن يحيى بن عبد الرحمن بن يغمراسن » . ( 3 ) في اللمحة البدرية ( ص 119 ) : « وبإفريقية إبراهيم ابن الأمير أبي يحيى أبي بكر بن أبي حفص بن إسحاق ابن الأمير أبي زكرياء » .